الشريف المرتضى

500

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

دليلنا بعد الإجماع المتقدّم : قوله تعالى : وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ والاعتكاف : لفظ شرعي مفتقر إلى بيان ، واللّه تعالى لم يبينه في كتابه ، واحتجنا إلى بيان من غيره ، فلمّا وجدنا النبيّ لم يعتكف إلّا بصوم كان فعله ذلك بيانا للجملة المذكورة في الآية ، وفعله إذا وقع على وجه البيان كان كالموجود في أوجه الآية « 1 » . [ الثاني : ] وممّا انفردت به الإمامية القول : بأنّ الاعتكاف لا ينعقد إلّا في مسجد صلّى فيه إمام عدل بالناس الجمعة ، وهي أربعة مساجد : المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد الكوفة ومسجد البصرة . . . والحجة لنا - مضافا إلى الاجماع - طريقة الاحتياط وبراءة الذمة ؛ لأنّ من أوجب على نفسه الاعتكاف بنذر يجب أن يتيقّن براءة ذمّته منه ممّا وجب عليه ، ولا يحصل له اليقين إلّا بأن يعتكف في المواضع التي عيّناها ؛ ولأنّ الاعتكاف حكم شرعي ويرجع في مكانه إلى الشرع ، ولا خلاف في الأمكنة التي عيّناها مشروعة فيه ، ولا دليل على جوازه فيما عداها ، ولا اعتراض على ما قلناه بقوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ؛ لأنّ هذا اللفظ مجمل ، ولفظ المساجد هاهنا ينبئ عن الجنس لا عن الاستغراق ، ولا منافاة بينه وبين مذهبنا . ويجوز أن يكون وجه تخصيص هذه المساجد الأربعة لتأكّد حرمتها وفضلها وشرفها على غيرها « 2 » . [ الثالث : ] وممّا انفردت به الإمامية القول : بأنّ الاعتكاف لا يكون أقلّ من ثلاثة أيام ، ومن عداهم من الفقهاء يخالفون في ذلك ؛ لأنّ أبا حنيفة والشافعي يجوّزان أن يعتكف يوما واحدا « 3 » . وقال مالك : لا اعتكاف أقلّ من عشرة أيام « 4 » ، دليلنا على ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر .

--> ( 1 ) الناصريات : 299 . ( 2 ) الانتصار : 72 . ( 3 ) المحلّى ، 5 : 180 . ( 4 ) نفس المصدر .